الشيخ محمد رشيد رضا
140
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولا يزال الناس يعدون أكله ذلة ومهانة وان كانوا لا يخشون منه ضررا ثم قال تعالى « إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ » وقد اختلف فيه المفسرون هل هو استثناء من جميع المحرمات التي يتوقف حلها على تذكية الانسان لها أي إماتتها إماتة شرعية لأجل اكلها ؟ أم هو استثناء من الأخير وهو ما أكل السبع ؟ أم هو استثناء من التحريم دون المحرمات يقصد به انه حرم عليكم ما ذكر الا ما ذكيتم ، أي ولكن لم يحرم عليكم ما ذكيتموه بفعلكم مما يذكى ؟ والأول هو الظاهر المتبادر ، ورجحه ابن جرير بعد ذكره وذكر الثالث ، وجعله بعضهم استثناء من المنخنقة والثلاث بعدها ، لان ما أهل به لغير اللّه وما ذبح على النصب لا شأن للتذكية فيهما . قال ابن جرير : وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الأول وهو ان قوله « إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ » استثناء من قوله « وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ » لان كل ذلك مستحق الصفة التي هو بها قبل حال موتها ، فيقال لما قرب المشركون لآلهتهم فسموه له : هو ما أهل به لغير اللّه ، وكذلك المنخنقة إذا انخنقت وان لم تمت فهي منخنقة ، وكذلك سائر ما حرمه اللّه تعالى ما بعد ما أهل به لغير اللّه ، الا بالتذكية المحللة دون الموت بالسبب الذي كان به موصوفا اه ثم أورد ابن جرير سؤالا وأجاب عنه فقال : فان قال لنا قائل فإذا كان ذلك معناه عندك فما وجه تكريره ما كرر بقوله « وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ » وسائر ما عدد تحريمه في هذه الآية ، وقد افتتح الآية بقوله « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ؟ وقد علمت أنه شامل كل ميتة كان موته حتف انفه من علة به غير جناية أحد عليه ؟ أو كان موته من ضرب ضارب إياه أو انخناق منه أو انتطاح أو فرس سبع ، وهلا كان قوله - ان كان الامر على ما وصفت في ذلك من أنه معنيّ بالتحريم في كل ذلك الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك دون ان يكون معنيا به تحريمه إذا تردّى أو انخنق أو فرسه السبع فبلغ ذلك منه ما يعلم أنه لا يعيش مما أصابه منه الا باليسير من الحياة - « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ » « 1 » مغنيا من تكرير ما كرر بقوله « وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ » وسائر
--> ( 1 ) جملة « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ » هي مقول القول وكلمة مغنيا بعدها خبر كان في قوله « وهلا كان قوله » وما بين ذلك اعتراض